(مَا جَاءَ [فِي مَا] يستشفى بِهِ من الثوم)
رُوِيَ عَن حنيف أَنه قَالَ: رَأَيْت سعيد بن زيد بن عَمْرو بن نفَيْل وَأَبا أروى الدوسي بِذِي الحليفة يأكلان الثوم سِنِين لإحدى وَعشْرين لَيْلَة فِي كل شهر، ثمَّ لَا ينزلان إِلَى الْمَدِينَة حَتَّى يذهب ريح الثوم عَنْهُمَا. قَالَ: وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة يَفْعَله وَهُوَ بأرضه بالسحرة.
(مَا جَاءَ [فِي مَا] يستشفى بِهِ من الأَرْض الَّتِي تستوباء)
رُوِيَ أَن رجلا قَالَ لرَسُول الله [صلى الله عَلَيْهِ وَسلم] : [إنَّ لنا أَرضًا] هِيَ ربعنا وميراثنا وَإِنَّمَا وبئت علينا. فَقَالَ لَهُ رَسُول الله [صلى الله عَلَيْهِ وَسلم] : " دَعُوهَا فَإِن من الغرف التّلف ".
قَالَ عبد الْملك:
وَمعنى قَوْله: وبئت علينا. يَقُول: كثر بهَا الْمَرَض والعلل، وَمعنى قَوْله: " من الغرف التّلف " فالغرف أَيْضا هُوَ من كَثْرَة الْمَرَض والعلل وَالْمَوْت.
و [شكا] قوم إِلَى عمر - رَضِي الله عَنهُ - وباء بأرضهم فَقَالَ: لَو تَرَكْتُمُوهَا؟ [قَالُوا] : هِيَ مَعَايِشنَا ومعايش عيالنا. فَأرْسل عمر عَن ذَلِك الْحَارِث بن كلّدة فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الْبِلَاد الوبيئة هِيَ ذَات [أنجال، وبعوض، وتريب] . والنجل: [هُوَ] الوباء، وَلَكِن لَو خرج أَهلهَا مِنْهَا قريب إِلَى أَن ترْتَفع الثريا وأكلوا بهَا البصل والكرّاث والثوم ويتداووا بالسمن الْعَرَبِيّ يشربونه وَيُمْسُونَ طيبا وَلم يعسوا فِيهِ حفاثاً وَلم يَنَامُوا بِالنَّهَارِ. رَجَوْت أَن يسلمُوا من وباء بهَا. فَأَمرهمْ عمر بذلك.
قَالَ عبد الْملك:
والأنجال: الغدور وَاحِدهَا نجل، والتريب: الأَرْض. وَقَوله: [إِلَى أَن ترْتَفع الثريا] فَإِن [مُبْتَدأ] طُلُوع الثريا فِي النّصْف من ميّة وَهُوَ برا الشتَاء واستقبل الصَّيف. فَأَمرهمْ أَن [يختلوا] عَن موضعهم حَتَّى ترْتَفع الثريا. يَعْنِي حَتَّى يخرج عَنْهُم الرّبيع كلّه وَهُوَ [الْفَصْل] ، ويشتدّ الصَّيف فراء. إِن الصَّيف أصحّ من الْفَصْل لذهاب ندوة الأَرْض وَانْقِطَاع بعوضها والعلل وَكَثْرَة الْمَوْت.
رُوِيَ عَن عمر بن الْخطاب [أَنه] قَالَ ليهود خَيْبَر: كَيفَ [صحتكم] بهَا وَهِي أوبى بِلَاد الله، فَقَالُوا: [نَأْكُل] الثوم والتريب على الرِّيق و [نشرب] السكر عَلَيْهِ، وَخُرُوج مِنْهَا إِذا [طلعت] الثريا حَتَّى ترْتَفع، وَالْمَبِيت بالبقاع، والنجل تحتنا أَلا يصيبنا. فَأَعْرض عَن ابْن عبّاس أَنه قَالَ: إِذا قدمت أَرضًا قبضت من ترابها، ثمَّ اطرَحهُ فِي مَاء وَليكن أول شَيْء تشربه بهَا فَإنَّك تسلم إِن شَاءَ الله من وباء الأَرْض.
(جَامع مَا يستشفى بِهِ للْمَرِيض وَمَا يُرْجَى لَهُ وَمَا يخْشَى عَلَيْهِ)
وَعَن الْحسن أَن رَسُول الله [صلى الله عَلَيْهِ وَسلم] قَالَ: " الطّيب نشرة، وَالرُّكُوب نشرة، وَالنَّظَر إِلَى الخضرة نشرة ".
قَالَ عبد الْملك: والنشرة كلّما خفف عَن الْمَرِيض وَأدْخل عَلَيْهِ الرَّاحَة.
وَقَالَ الْحُكَمَاء: علاج الْجَسَد فِي ثَلَاثَة أَشْيَاء من غير علاج: رايحة طيبَة، وَحَدِيث حسن، وَخبر صَالح.
وَقَالَ رَسُول الله [صلى الله عَلَيْهِ وَسلم] : " بَدَأَ كلّ دَاء من ثَلَاثَة من برد أَو تَعب أَو شبع ". وَعنهُ [صلى الله عَلَيْهِ وَسلم] : " من [أدفأ] طَرفَيْهِ لم يضرّهُ الْبرد شَيْء من جسده ".
وَقَالَ [صلى الله عَلَيْهِ وَسلم] : " لَا تيأسوا من مريضكم مَا دَامَ يطرف ". وَدخل [صلى الله عَلَيْهِ وَسلم] على مَرِيض وَأَهله يعرضون عَلَيْهِ الطَّعَام فَقَالَ رَسُول الله [صلى الله عَلَيْهِ وَسلم] : " لَا تكْرهُوا مرضاكم على الطَّعَام فَإِن الله يُطعمهُمْ ويسقيهم ".
وَقَالَ [صلى الله عَلَيْهِ وَسلم] : " تعشوا وَلَو على تَمْرَة فَإِن ترك الْعشَاء مهوسة ".
وَأهْديت لَهُ [صلى الله عَلَيْهِ وَسلم] سفرجلة أُوتِيَ بهَا من الطايف فَقَالَ: " نِعْم الطَّعَام السفرجل يطيب الْفَم وَيذْهب ضخاء الْقلب " يَعْنِي الضخاء: وَهُوَ مَا يغشي الْقلب.
وَعَن الْحسن أَن رَسُول الله [صلى الله عَلَيْهِ وَسلم] قَالَ: " مَا من رمّانة إِلَّا وفيهَا قَطْرَة من مَاء الجنّة ". وَعَن عَليّ بن أبي طَالب أَنه قَالَ: كلوا [الرمّان] بشحمه فَإِنَّهُ يدبغ الْمعدة.
وَقَالَ رَسُول الله [صلى الله عَلَيْهِ وَسلم] : " [شكا] نَبِي من الْأَنْبِيَاء إِلَى الله الضعْف فَأوحى الله إِلَيْهِ أَن اطبخ اللَّحْم بِاللَّبنِ، وَليكن طَعَامك فَإِنِّي جعلت فِيهِ الْقُوَّة وَالْبركَة ".
وَرُوِيَ أَن نَبيا من الْأَنْبِيَاء [شكا] إِلَى الله قلّة نسل قومه فَأوحى الله إِلَيْهِ أَن [مرْهم] يَأْكُلُوا الْبيض بالحيتان.
و [شكا] رجل إِلَى رَسُول الله [صلى الله عَلَيْهِ وَسلم] [قلّة] الْجِمَاع فَقَالَ لَهُ: " عَلَيْك بِاللَّحْمِ فاطبخه بِاللَّبنِ، ثمَّ كُله فَإِنَّهُ يرجع إِلَيْك مَا كنت تعرب من جماعك ".
وَكَانَ عَليّ - رَضِي الله عَنهُ - يَقُول: كلوا اللَّحْم فَإِنَّهُ ينْبت اللَّحْم. وَكَانَ عمر بن الْخطاب يَقُول: كلوا اللَّحْم فَإِنَّهَا شَجَرَة الْعَرَب الَّتِي تنْبت مِنْهَا لِكَثْرَة أكلهَا بِاللَّحْمِ.
وَعَن ابْن عبّاس قَالَ: قَالَت امْرَأَة لاسماعيل بن ابراهيم: انْزِلْ نُطْعِمك ونسقيك. فَقَالَ لَهَا: مَا طَعَامكُمْ؟ قَالَت: اللَّحْم. قَالَ: وَمَا شرابكم؟ قَالَت: المَاء. قَالَ: بَارك الله لكم فِي اللَّحْم وَالْمَاء.
قَالَ سعيد بن جُبَير: فَلَو أَن إنْسَانا أخلا عَلَيْهِمَا بِغَيْر مكثر وجعلة، وَلَو أخلا بمكّة لم يوجعه بَطْنه. وَعَن مولى لِابْنِ أبي ربيعَة وَكَانَ يقْرَأ التَّوْرَاة قَالَ: اللَّحْم فِي التَّوْرَاة ساموع باصور.
وَعنهُ [صلى الله عَلَيْهِ وَسلم] : " اللَّحْم السمين يخرج الدَّاء ". وَقَالَ أَيْضا [صلى الله عَلَيْهِ وَسلم] : " من ترك اللَّحْم أَرْبَعِينَ يَوْمًا [ساءت] خلقه ".
وَرُوِيَ أَن لُقْمَان الْحَكِيم قَالَ: طول الْجُلُوس على الْحَاجة يوجع الكبد ويهيج البواسير ويثير الحرّ فِي الرَّأْس ويستحيل مِنْهُ الضوم.
وَعَن عَليّ - رَضِي الله عَنهُ - أَن رَسُول الله [صلى الله عَلَيْهِ وَسلم] قَالَ: " من أحب الْبَقَاء وَلَا بَقَاء فليباكر بالغداء وليقلل مجامعة النِّسَاء ويتخفف الرِّدَاء ".
قَالَ عبد الْملك:
قد قيل فِي الرِّدَاء إِنَّه الدّين، وَقد قيل: إِنَّه الرِّدَاء بِعَيْنِه. وَعَن مَالك أَن رَسُول الله [صلى الله عَلَيْهِ وَسلم] قَالَ: " لَا تديموا الْجُلُوس فِي الشَّمْس فَإِنَّهَا تكسل الْجَسَد وتثقل الرّيح وتخلق الثَّوْب وَتغَير اللَّوْن وتثير الدَّاء الدفين ".
وَعنهُ [صلى الله عَلَيْهِ وَسلم] : " الشَّمْس مكسلة للجسد مثقلة للريح [مبلاة] للثوب مثيرة للداء الدفين ".
قَالَ رَسُول الله [صلى الله عَلَيْهِ وَسلم] لعَلي: " لَا تسْتَقْبل الشَّمْس واستدبرها فَإِن فِي استقبالها دَاء وَفِي استدبارها شِفَاء ".
وَعَن أبي شهَاب أَن رَسُول الله [صلى الله عَلَيْهِ وَسلم] رأى رجلا فِي الشَّمْس فَقَالَ لَهُ: " تحول إِلَى الظلّ فَإِنَّهُ مبارك ".
وحدّث بِهِ نَافِع الْمقري فَقَالَ: أما سَمِعت دَعْوَة الرجل الصَّالح حَتَّى تولى إِلَى الظلّ؟ [فاستجب] لَهُ وَفرج عَنهُ.
(مزاج الْأَطْعِمَة والأشربة واللحمان والإدام وَالثِّمَار والبقول والرياحين وَمَعْرِفَة مَا فِيهَا من العلاج والأشفية)
قَالَ عبد الْملك بن حبيب:
ركبت الْأَطْعِمَة كلّها والأشربة وَالثِّمَار والرياحين من الأخلاط الْأَرْبَعَة من الحرّ، وَالْبرد واليبس، والرطوبة، فَمَا كَانَ مِنْهَا مُوَافقا لطبائع الانسان لم يبلغ حرّه، وَلَا برده، وَلَا رطوبته، وَلَا يبسه سمي معتدلاً.
وَمَا جَاوز الِاعْتِدَال من ذَلِك جُزْء أَرْبَعَة أَجزَاء وحدّ أَرْبَعَة حُدُود، فَمَا جَاوز الِاعْتِدَال باليسير نسب إِلَى الْجُزْء الأول، والحدّ الأول من الْحَرَارَة، أَو الْبُرُودَة، أَو الرُّطُوبَة، أَو اليبوسة، وَمَا جَاوز ذَلِك الْيَسِير بِالْقَلِيلِ أَيْضا نسب إِلَى الْجُزْء الثَّانِي والحدّ الثَّانِي، وَمَا قوي من ذَلِك وأربى نسب إِلَى الْجُزْء الثَّالِث والحدّ الثَّالِث، وَمَا أفرط فِي الْقُوَّة وأضر بطبائع الْجَسَد حَتَّى يفْسد ويمرض نسب إِلَى الْجُزْء الرَّابِع والحدّ الرَّابِع.
فَيَنْبَغِي للْإنْسَان أَلا يُصِيب من الْأَطْعِمَة والأشربة إِلَّا مَا [وَافق] مِنْهَا طبائع جسده وعدلها حَتَّى يكون مزاجها معتدلاً، وَأَنه إِن بغى عَلَيْهِ شَيْء من طبائعه أَن يلْزم من الطَّعَام وَالشرَاب وبضده حَتَّى يكسر بِهِ مَا بغى عَلَيْهِ من طبائعه.
فَإِن طبائع الْجَسَد الَّتِي هِيَ قوامه أَرْبَعَة وَهِي: الدَّم، والبلغم، والمرّة، الحرماء، والمرّة السَّوْدَاء، إِنَّهَا ركبت من الأخلاط الْأَرْبَعَة: من الْحَرَارَة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة، فالدم حارّ رطب حُلْو، والبلغم بَارِد رطب مالح، والمرّة الْحَمْرَاء حارّة يابسة مرّة، والمرّة السَّوْدَاء بَارِدَة يابسة حامضة.
فَإِذا بغى عَلَيْهِ الدَّم وَهُوَ حارّ رطب حُلْو لزم من الطَّعَام وَالشرَاب كلّ بَارِد يَابِس حامض.
وَإِذا بغى عَلَيْهِ البلغم وَهُوَ بَارِد رطب مالح لزم من الطَّعَام وَالشرَاب كلّ حارّ يَابِس.
وَإِذا بَغت عَلَيْهِ المرّة الْحَمْرَاء وَهِي حارّة يابسة مرّة لزم من الطَّعَام وَالشرَاب كلّ رطب بَارِد مالح.
وَإِذا بَغت عَلَيْهِ المرّة السَّوْدَاء وَهِي بَارِدَة يابسة حامضة لزم من الطَّعَام وَالشرَاب كلّ رطب حارّ فَإِنَّهُ إِذا فعل اعتدل مزاجه، وَمن اعتدل مزاجه لَزِمته الصِّحَّة وجانبه السقم بِإِذن الله.
قَالَ عبد [الْملك] :
وَالطَّعَام وَالشرَاب كلّه على أَرْبَعَة أوجه: حُلْو، ومرّ، وحامض، ومالح. وَفِيه أَرْبَعَة أمزجة: حرارة، وبرودة، ويبوسة، ورطوبة.
فالحلو كلّه حارّ رطب، والمرّ كلّه حارّ يَابِس، والحامض كلّه بَارِد يَابِس، والمالح كلّه بَارِد رطب، وَمَا فسر لَك ذَلِك نوعا نوعا ووجهاً وَجها من الْأَطْعِمَة، والأشربة، واللحمان، وَالثِّمَار، والرياحين، والبقول. وَمَا فِي كلّ نوع مِنْهُ من العلاجات والأشفية على مَا بَلغنِي علمه وَبلغ كشفي مِمَّن كَلمته فِيهِ واستوضحته إِيَّاه من أهل الْعلم بِهِ، فَإِن أصل علم الطبّ من علم النبؤة بِتَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم.
(مزاج الْقَمْح وَالشعِير وَمَا فيهمَا من العلاجات)
قَالَ عبد الْملك بن حبيب رَضِي الله عَنهُ:
حبّ الْقَمْح وخبزه حارّ رطب فِي الْجُزْء الأول، وَالْخبْز النقي من الْقَمْح قد يعْقد الْبَطن وَيجْعَل من المرهمات وَيُوضَع على الْمَوَاضِع الَّتِي فِيهَا الْحَرَارَة فينفع بِإِذن الله.
وَالْخبْز الخشكار: فِيهِ بعض الْحَرَارَة لمَكَان النخالة وَهُوَ سريع الْخُرُوج من الْبَطن.
وَالْخبْز الفطير: أبقى فِي الْجِسْم من الْخبز الخمير، وَأكْثر رياحاً فِي الْبَطن.
ولباب الْقَمْح: ينفع من الخشونة فِي الْحلق وَمن الكلف فِي الْوَجْه إِذا طيِّب، وخلط بِالْمَاءِ والزعفران وطلي بِهِ الْوَجْه.
وَسَوِيق الْقَمْح: حارّ لدن وَفِيه بعض النفخة، ونخالة الدَّقِيق (الطحين) إِذا انقعت فِي المَاء ثمَّ مرست وصفيت وَجعل من مَائِهَا حسوى خلط بِشَيْء من السكر وزيت اللوز أنضج مَا فِي الصُّدُور ونفع بِإِذن الله.
وَإِذا مضغ الْقَمْح فَوضع على الورم فِي بَدْء مَا يظْهر، وَفِي مَوضِع عضة الْكَلْب وَمَا يكون من ورم قبل العضة فَإِنَّهُ لاختلاطه بقرّة الرِّيق [نَافِع بِإِذن الله] ، والقمح إِذا أكل وَهُوَ غير مطبوخ وَلَا مقلي ولد الدُّود، وحبّ القرع فِي الْبَطن، والقمح إِذا سخِّن حَتَّى يخرج مِنْهُ عرق شَبيه بالدهن وطلي بِهِ على القوباء والحزازة نَفعهَا بِإِذن الله.
وخمير عجين الْقَمْح: فِيهِ بعض الْحَرَارَة وَهُوَ يحلل الورم وينضح الْحَرَارَة والدمل إِذا وضع على ذَلِك مَعَ الدّهن.
والعجين: إِذا اختمر وَلم يُجَاوز حدّ الاختمار، ثمَّ أغلي مَعَ الْخلّ نفع بِإِذن الله من الْحَيَّات والعقارب، وَذَلِكَ أَنه يطْبخ حَتَّى يغلظ، ثمَّ يطلى بِهِ على مَوضِع السمّ واللدغ.
وخمير عجين الْقَمْح الدَّقِيق: الْمعدل فِي الاختمار إِن أَخذ فيبثّ فِي المَاء، ثمَّ صفي وَجعل مِنْهُ وزن دانق من طباشير وَوزن دانق من سكر طبرزد، وَوزن قيراطين من زعفران، ثمَّ سقِِي مِنْهُ الصبيّ الَّذِي بِهِ الْحمى والعطش والبطن، نفع بِإِذن الله، وَسكن المرّة، وأطفأ الْعَطش، وجسر الْبَطن لما كَانَ من الحموضة مَعَ مَا فِيهَا من الْحَرَارَة.
وَتَفْسِير الطباشير: أَنه يَجْعَل [مثل] من زعفران، و [مثل] من قاقلة، ومثلاً من ورد يسحق، ثمَّ يجمع. فَيجْعَل مِنْهُ أَقْرَاص، وَيجْعَل مَعَه سكر فَذَلِك الطباشير.
قَالَ عبد الْملك:
وَالشعِير: وخبزه بَارِد فِي الْجُزْء الأول من الْبُرُودَة، وَفِيه بعض اليبس، ويبسه من قِبَل قشره، وَإِذا نقي وقشر وطبخ بِالْمَاءِ صَار بَارِدًا رطبا. وَخبر الشّعير أَضْعَف غذَاء من خبز الْقَمْح وَفِيه بعض النفخة. وَمَاء الكشك: يليّن الصَّدْر، وَينزل الْبَوْل، ويعطلى بِهِ وَهُوَ فاتر الكلف الَّذِي فِي الْوَجْه يذهبه بِإِذن الله. وَسَوِيق الشّعير: إِذا طبخ فيشرب مَائه يحبس الْبَطن، وَهُوَ ليّن وَلَيْسَ كليّن الكشك. وَتَفْسِير الكشك: أَن يقشر الشّعير، ثمَّ يدشّش فيطبخ فتلينه هُوَ الكشك.
(مزاج القطاني وَمَا فِيهَا من العلاجات)
قَالَ عبد الْملك بن حبيب:
الفول، صنفان: أَخْضَر ويابس، والأخضر مِنْهُ رطب بَارِد، واليابس هُوَ إِلَى الْبرد واليابس مَا هُوَ، وَفِيه النفخة، وَفِي قشوره بعض الْقَبْض وَإِذا عجن الفول الْيَابِس وأجيد فَوضع على مَوضِع الْقَيْح والرطوبة أذهبه بِإِذن الله، عزّ وجلّ!
وَقد يدلك بِهِ الكلف فِي الْوَجْه وَهُوَ إِذا أكل جيد للصدر والرئة لِأَنَّهُ ليّن ينقي، وَإِذا طبخ بِالْمَاءِ ثمَّ يسحق بشحم الحنظل وَوضع مثل المرهم على النقرس كَانَ جيدا نَافِعًا، وَإِذا طبخ بِالْمَاءِ والخل وخلط بدقيق الشّعير وَجعل مثل المرهم فَوضع على الوقي والورم والعصب القاسح وعَلى الثديين والأنثيين نَافِع بِإِذن الله.
والحِمَّص: حارّ رطب فِي الْجُزْء الأول وَله نفخة ويغذي الرئة أفضل مَا يغذي الْمعدة، وَإِذا اعتلت الرئة أَو كَانَ فِيهَا قرح فَأخذ من دَقِيق الحمص فأغلي بِاللَّبنِ (الحليب) ، ثمَّ حسا مِنْهُ الْمَرِيض، نَفعه بِإِذن الله.
والحِمَّص أَيْضا ينزل الْبَوْل وَدم الْحَيْضَة إِذا طبخ بقشره، وَيزِيد فِي الْمَنِيّ، وَفِي اللَّبن. ويذيب [الْحَصَاة] الَّتِي تكون فِي المثانة، وَيفتح السدد الَّتِي تكون فِي الرئة، وَيصْلح الْمعدة، والكبد، وَيقتل الدُّود الَّذِي فِي الْبَطن، وحبّ القرع الَّذِي فِي الْوَجْه، وَإِذا سحق وَجعل مِنْهُ شَبيه المرهم وَوضع على الورم حَيْثُ كَانَ من الْجَسَد ليّنه بِإِذن الله.
وَإِذا عجن بالعسل فَوضع على القرحة نَفعهَا وأذهب رطوبتها، وَأفضل الحِمَّص الْأسود.
واللوبياء: قريب من والحِمَّص وَهُوَ إِذا طبخ فَشرب مَائه أنزل الْحَيْضَة.
والعدس: بَارِد يَابِس ولبابه يقبض الْبَطن وَإِذا طبخ ثمَّ صفي مِنْهُ المَاء الأول، ثمَّ صبّ عَلَيْهِ مَاء آخر وطبخ ثَانِيَة، ثمَّ أكل. عقل الْبَطن وقوى الْمعدة، وَإِذا نقي من قشره أضرّ بالبول، وأحبسه، وَأَغْلظ الدَّم فِي الْعُرُوق وَلم يجر.
وَمن أَكثر من أكله ولّد فضول الْمعدة السَّوْدَاء. وَإِذا طبخ وسحق وصنع مِنْهُ مثل المرهم فَوضع على الورم الحارّ ونزف الدَّم برد وَحبس بِإِذن الله.
والترمس: حارّ فِي الْجُزْء الثَّانِي من الْحَرَارَة، وَهِي إِلَى الدَّوَاء أقرب مِنْهُ إِلَى الطَّعَام إِذا تدوي بِهِ كَانَ أقوى مِنْهُ إِذا أكل، وَذَلِكَ أَنه ينقي المرّة، ويهضم الفضول، وَيقتل حبّ القرع والدود الَّذِي فِي الْبَطن إِذا طبخ وَشرب بالعسل وَالْمَاء الحارّ، وَإِذا طبخ ثمَّ ذرّ فِي الْموضع الَّذِي يُرِيد الْإِنْسَان أَلا ينْبت فِيهِ الشّعْر لم ينْبت فِي الشّعْر إِذا تعاهد ذَلِك فِي كلّ حِين.
الجلبان: حارّ ليّن نَافِع صَالح للرياح، والبلغم، والسعال، يطفي المرّة، ويسكن الدَّم. ونقلته من غير تأليف [ابْن] حبيب.
(مزاج اللحمان من الْأَنْعَام وَالطير وَالْحِيتَان وَالْبيض)
قَالَ عبد الْملك بن حبيب:
اللحمان وأنواعها فِي الْجُمْلَة حارّة رطبَة وَلكُل مِنْهَا خَاصَّة، فلحم الْبَقر وَالْإِبِل والتيوس الجبلية غليظ بَارِد يَابِس يُولد بغلظه الدَّم الغليظ ويولد المرّة السَّوْدَاء.
وَلحم خصيان الْمعز وإناثها: معتدل فِي الحرّ، وَالْبرد، والغلظ، والرطوبة غير أَنه إِلَى الرُّطُوبَة مَا هُوَ. وَهُوَ من طَعَام الأصحاء، الأقوياء، وَلَيْسَ بِطَعَام المرضى وَلَا الضُّعَفَاء، وَلحم الضَّأْن أحرّ وَأَغْلظ من لحم الْمعز. و [اللَّحْم] المالح يَعْنِي القديد حارّ يَابِس.
لحم الجديان، والحملان، والعجول: وَمَا صغر مِنْهَا وَهُوَ أسْرع انهضاماً وَلَيْسَ من طَعَام الأشدّاء الأقوياء وَذَلِكَ أَنَّهَا تولد الدَّم الدَّقِيق الرطب وَلَا خير [فِي مَا] صغر مِنْهَا جدا لِكَثْرَة رطوبته وَكَذَلِكَ مَا كبر مِنْهَا جدا لَا خير فِيهِ. وأصحّ اللَّحْم من ذَوَات الْأَرْبَع، وَالطير مَا كَانَ فتياً لَيْسَ بصغير جدا وَلَا كَبِير جدا.
وَلحم الطير: أحرّ وأيبس من لُحُوم ذَوَات الْأَرْبَع، فلحم الدَّجَاج والديوك حارّ معتدل، وَلحم الفراريخ الذُّكُور أحرّ وألطف ومرقتها تلين الْبَطن.
وَلحم الإوز والبط: أحرّ وَأَغْلظ من جَمِيع الطير الأهلي، وَلحم الْحمام حارّ رطب ينفع الكليتين وَيزِيد فِي الْمَنِيّ وَالدَّم. وأخفّ مَا فِي الطير الْجنَاح والصدر، وبطون جَمِيع الطير [حارّة حَدِيدَة] .
وَلحم صَغِير وَحش الطير: أقلّ حرّاً وَأَعْدل من الأنسي مِنْهَا، وَقد يطعم الْمَرِيض من جَمِيع أَنْوَاع الطير، وَلَا يطعم شَيْئا مِمَّا فِي بطونها وَذَلِكَ لِأَن بطونها حارّة حَدِيدَة. وأخفّ لحم الطير الدَّجَاج وَبعده الحجل واليمام.
وَلُحُوم البراطيل: تزيد فِي الْمَنِيّ.
وَلُحُوم طير المَاء: رطبَة غَلِيظَة لِأَنَّهَا تغذى بالحشيش والسمك وَهُوَ أرطب وَأَغْلظ من الْأَهْلِيَّة والحبسية.
قَالَ عبد الْملك:
وَجَمِيع مَا ذكرت من أَنْوَاع لحم الطير والأنعام قد يخْتَلف عِنْد الصَّنْعَة الَّتِي يصنع بهَا كاختلاف لحومه وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِن صنع بالخل احْتمل قُوَّة الْخلّ وَتغَير إِلَيْهِ، وَإِن عمل بالحبوب تغير إِلَيْهَا وَاحْتمل قوتها وَإِن شوي كَانَ على قوته.
قَالَ عبد الْملك:
وبيض الدَّجَاج: معتدل وبياضه غليظ بَارِد بطئ الانهضام، و [قشر] الْبيض حسن جَاف لطيف ينفع من الْبيَاض فِي الْعين إِذا سحق واكتحل بِهِ وَحده، أَو مَعَ الْأَدْوِيَة وَقد ينفع بَيَاض الْبيض وصفرته وقشوره من أوجاع الْعين. وَيُوضَع عَلَيْهَا مثل المرهم، ينفع بياضه الصافي من الحرّ والورم فِي الْعين، وقشره ينفع من الْبيَاض، وَقد تسْتَعْمل صفرته فِي المرهمات الَّتِي تُوضَع على الأورام الحارّة، ويطعمها من كَانَ فِي أمعائه قرحَة، ويحتقن بهَا من كَانَ فِي بَطْنه أَو أمعائه بتر وقروح.
قَالَ عبد الْملك:
والسمك الطري: كُله فِي الْجُمْلَة بَارِد رطب، والنهري أرطب من البحري. المالح من السّمك حارّ حَدِيد. وَجَمِيع أَنْوَاع السّمك الطري إِذا شوي وَأكل حارّ فَإِنَّهُ يزِيد فِي الْمَنِيّ وبخاصة شحمه.
وسمك الْبَحْر: لَا يقدر على تَمْيِيزه و [تصنيفه] إِلَّا أَن فِي الْبَحْر دَوَاب تسمّى سمكًا وَلَيْسَت. وَذَلِكَ أَن السّمك إِنَّمَا هُوَ مَا كَانَ لَهُ بيض، وَخلق من الْبيض. وَمَا كَانَ مِنْهُ إِنَّمَا يلد وَلَا بيض فَلَيْسَ بسمك، وَقد يشبه بعضه لحم السّمك، وَيُشبه لحم بعضه لحم الْأَنْعَام، وَقد يعرف السّمك من غير السّمك بِغَيْر الْبيض، يعرف أَيْضا بالسنبق فَمَا كَانَ لَهُ سنبق فَهُوَ سمك، وَمَا لم يكن [لَهُ] سنبق فَلَيْسَ بسمك، وَإِنَّمَا هُوَ من دَوَاب الْبَحْر.

إرسال تعليق