U3F1ZWV6ZTIxNTA4NTgyNjUzMzc3X0ZyZWUxMzU2OTQ3MzgwMzMwMA==

الباب التاسع


(مَا جَاءَ فِي أمزجة الْجَسَد)
قَالَ عبد الْملك بن حبيب:
سَمِعت بعض الْمَدَنِيين من أهل الْعلم بطبّ الْعَرَب والمعرفة بالداء والدواء يَقُول: الْجَسَد أَرْبَعَة أَنْوَاع:
[الرَّأْس: الرّبع الأول] وملاكه الدِّمَاغ وَهُوَ رِبَاط الْجَسَد، فَإِذا كمل الدِّمَاغ كَانَ الرجل زيناً فِي مَجْلِسه ذَا تؤدة فِي أمره، والدماغ حارّ كالنار، والنخاع بَارِد كالثلج.
فلولا برد النخاع أحرق الدِّمَاغ الْجَسَد وَلَوْلَا حرارة الدِّمَاغ أفسد النخاع الْجَسَد بِبرْدِهِ.
والصدر: الرّبع الثَّانِي وملاكه الْقلب وَهُوَ بَين [رئتي الْجَسَد يبرّدهما] .
والبطن: الرّبع الثَّالِث إِلَى المثانة وملاكه الكبد وَهُوَ مُدبرَة وطابخة الطَّعَام فِي الْمعدة، ثمَّ تصفيه فِي الكبد فَيَأْخُذ صَفوه فَيصير دَمًا فتصبه الكبد فِي الْقلب وَالْقلب فِي الْعُرُوق، وَيدْفَع مَا لم يصف إِلَى الأمعاء مِنْهُ ثمَّ إِلَى الْمخْرج.
والكبد حارّة كالنار والمرارة [اللاصقة] بهَا بَارِدَة كالثلج، فلولا برد المرارة أحرقت الكبد الْجَسَد.
وَلَوْلَا حرارة الكبد [أفسدت] المرارة الْجَسَد ببردها، وَلَوْلَا الكبد لم ينضج الطَّعَام فِي الْبَطن.
والمثانة وَمَا تحتهَا إِلَى أَسْفَل: الرّبع الرَّابِع وملاك ذَلِك الرّبع الكليتان، هما [مدبرتان] وهما حارتان كالنار، والمثانة بَارِدَة كالثلج.
فلولا برد المثانة [أحرقت] الكليتان الْجَسَد وَلَوْلَا حرارة الكليتين أفسدت المثانة ربعهَا ببردها. وكلّ ذَلِك بِتَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم.


(مزاج الْإِنْسَان)
قَالَ عبد الْملك بن حبيب:
وَسمعت بعض الْمَدَنِيين من أهل الْعلم بطبّ الْعَرَب والمعرفة بالداء والدواء يَقُول: الدَّاء أَرْبَعَة أمزجة، وَالسّنة أَرْبَعَة، وَالْإِنْسَان أَرْبَعَة أمزجة، فأمزجة الدَّاء الْأَرْبَعَة: الدَّم، والبلغم، والمرّة الْحَمْرَاء، والمرّة السَّوْدَاء. وأمزجة السّنة: الشتَاء، وَالربيع، والصيف، والخريف.
فمزاج الشتَاء البلغم، ومزاج الرّبيع الدَّم، ومزاج الصَّيف المرّة الْحَمْرَاء، ومزاج الخريف المرّة السَّوْدَاء.
وَاعْلَم أَن الخام من البلغم وَهُوَ أَصله فَمَا كَانَ تَحت الصَّدْر إِلَى الْقدَم فالخام، وَمن الصَّدْر إِلَى الرَّأْس فبلغم. والبواسير من الخام. وَالدَّم، والمرّة الصَّفْرَاء هِيَ من الْحَمْرَاء.
وأمزجة الْإِنْسَان الْأَرْبَعَة أَن الْإِنْسَان يكون غُلَاما سبع عشرَة سنة، وشابّاً سبع عشرَة، وكهلاً سبع عشرَة، وشيخاً إِلَى آخر عمره.
فمزاج الْغُلَام الدَّم وَهُوَ حارّ ذُو ابتلال، أخوف السّنة عَلَيْهِ الرّبيع لِأَن فِيهِ سُلْطَان مزاجه، وَكَذَلِكَ الرّبيع حارّ ذُو ابتلال فَإِن تثور عَلَيْهِ غير الدَّم فَهُوَ آمن عَلَيْهِ.
ومزاج الشابّ المرّة الْحَمْرَاء ومزاجه حارّ يَابِس، أخوف السّنة عَلَيْهِ الصَّيف لِأَن فِيهِ سُلْطَان مزاجه، وَكَذَلِكَ الصَّيف حارّ يَابِس فَإِن تثور عَلَيْهِ غير المرّة الْحَمْرَاء فَهُوَ آمن عَلَيْهِ.
ومزاج الكهل المرّة السَّوْدَاء ومزاجه بَارِد يَابِس، أخوف السّنة عَلَيْهِ الخريف لِأَن فِيهِ سُلْطَان مزاجه وَكَذَلِكَ الخريف بَارِد يَابِس، فَإِن تثور عَلَيْهِ المرّة السَّوْدَاء فَهُوَ آمن عَلَيْهِ.
ومزاج الشَّيْخ الخام والبلغم ومزاجهما بَارِد ذُو ابتلال، أخوف السّنة عَلَيْهِ الشتَاء لِأَن فِيهِ سُلْطَان مزاجه، وَكَذَلِكَ الشتَاء بَارِد ذُو ابتلال، فَإِن تثور عَلَيْهِ غير الخام والبلغم فَهُوَ كَانَ آمن عَلَيْهِ.

وَاعْلَم أَن منزل الدَّم الكبد إِلَى الْعُرُوق إِلَى الْقلب، وَالْقلب حارّ ذُو ابتلال، وَكَذَلِكَ الْعُرُوق والكبد. ومنزلة المرّة الْحَمْرَاء المرارة، والمرارة حارّة يابسة.
ومنزلة المرّة السَّوْدَاء [الطحال] ، بَارِد يَابِس، ومنزل البلغم الرئة ومعدنه الرَّأْس مِنْهُ مهبطه إِلَى الصَّدْر إِلَى الرئة، والرئة بَارِدَة ذَات ابتلال. ومنزل الخام المفاصل. ومنزل الرّيح الأمعاء.
قَالَ عبد الْملك عَن وهب بن منبّه:
لما خلق الله آدم ثمَّ جعل فِي جسده تِسْعَة أَبْوَاب: سَبْعَة فِي رَأسه واثنين فِي جسده، وَجعل عقله فِي دماغه، وسرّه فِي كليتيه، وغضبه وَرَحمته فِي كبده، وندامته فِي قلبه، ورغبته وَنَفسه فِي رئته، وضحكه فِي [طحاله] ، وفرحه وحزنه فِي وَجهه، والمرحة فِي صَدره، وشهوته فِي فرجه، وَذريته فِي صلبه، وقوته فِي منيّه.
وَجعل لَهُ عشرَة أَصَابِع فِي يَدَيْهِ قُوَّة [ليديه] ، وَعشرَة أَصَابِع فِي رجلَيْهِ قُوَّة لرجليه، وَجعل لَهُ بَابَيْنِ مِنْهُمَا يسمع قلبه، وبابين يبصر بهما قلبه وهما نور جسده، وَجعل لَهُ بَابا يعِيش جسده مِنْهُ، وَجعل لَهُ فِيهِ لِسَانا يبين كَلَامه وحنكاً يجيد بِهِ طعم كلّ شَيْء، ومنخرين يجد بهما ريح كلّ شَيْء، وَجعل لَهُ بَابَيْنِ مِنْهُمَا يخرج مِنْهُ ثقل طَعَامه وَشَرَابه.
وَجعل فِيهِ ثَلَاث مائَة وَسِتِّينَ مفصلا وَثَلَاث مائَة وَسِتِّينَ عظما، وَثَلَاث مائَة وَسِتِّينَ عرقاً سَاكِنا وَثَلَاث مائَة وَسِتِّينَ عرقاً نافضاً، فَلَو سكن عرق النافضة مَا نَفعه عَيْش فَلَو نفض عرق من الساكنة مَا نَفعه عَيْش.
وَقَالَ عَليّ بن أبي طَالب - رَضِي الله عَنهُ -: الْحلق للصوت، وَاللِّسَان للحروف، وَالْقلب لِلْعَقْلِ، والكبد للحزن، والكليتان للرأي وَالْمَكْر، والرئة للنَّفس، وَالْقلب و [الطحال] للضحك.
قَالَ عبد الْملك: أصل الْعقل الْقلب ومحلّه الدِّمَاغ.
وَقَالَ عمر - رَضِي الله عَنهُ -: جوارح الْجَسَد أعوان الْقلب وَالْقلب ملكهَا.

فالرجلان يدان، وَالْيَدَانِ جَنَاحَانِ، والعينان مرتادتان، وَاللِّسَان ترجمان، والأذنان تعيتان، والكليتان مدبرتان، و [الطحال] للضحك والفرح، والكبد للحزن وَالْغَضَب وَالرَّحْمَة، والرئة للنَّفس، والدماغ لِلْعَقْلِ، والأنثيان للنسل، والصدر للهم، وَالْأنف للشمّ، والشفتان للذوق، وَالْقلب ملك ذَلِك كلّه، فَإِذا طَابَ الْملك طابت جُنُوده وَإِذا خبث الْملك خبث جُنُوده.
فَقَالَ لَهُ عبد الله بن سَلام وَكَعب الْأَحْبَار: وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّه لهكذا عندنَا [فِي مَا] قَرَأنَا من الْكتب.
وَعَن ابْن عبّاس أَنه قَالَ: إِن الله سُبْحَانَهُ خلق آدم من طِينَة عذبة ومالحة، فَلَو كَانَت عذبة لَيست بمالحة لم يحزن أبدا، وَلم يغْضب أبدا وَلم يسأ أبدا وَلم يجهل أبدا، وَلَو كَانَت مالحة لَيست مَعهَا عذبة لم يفرح أبدا، وَلم يضْحك أبدا، وَلم يرض أبدا، وَلم يحسن أبدا، وَلم يحلم أبدا.
وَلكنه خلقه من طين عذبة ومالحة فَمَا كَانَ من [رضّى] ، أَو فَرح، أَو إِحْسَان، أَو حلم فَمن العذبة، وَمَا كَانَ من حزن، أَو بكاء، أَو إساءة، أَو جهل فَهُوَ من المالحة.
وَعَن وهب بن منبّه أَنه قَالَ: لما خلق الله آدم ركب جسده من أَرْبَعَة أَشْيَاء من اليبوسة، والرطوبة، والحرارة، والبرودة، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ خلقه من تُرَاب وَمَاء، ثمَّ جعل فِيهِ نفسا وروحاً.
فيبوسته من قبل التُّرَاب، ورطوبته من قبل المَاء، وحرارته من قبل النَّفس، وبرودته من قبل الرّوح.
ثمَّ خلق الله فِيهِ من بعد هَذَا الْخلق أَرْبَعَة أمزجة، هِيَ قوام جسده وملاكه لَا يقوم جسده إِلَّا بهَا، وَلَا يقوم مزاج أحد مِنْهَا إِلَّا بأقرانه. وَهِي: الدَّم، والبلغم، والمرّة الْحَمْرَاء، والمرّة السَّوْدَاء.
ثمَّ أسكن بعض هَذَا الْخلق فِي بعض، فَجعل مسكن اليبوسة فِي المرّة السَّوْدَاء، ومسكن الْحَرَارَة فِي المرّة الْحَمْرَاء، ومسكن الرُّطُوبَة فِي الدَّم، ومسكن الْبُرُودَة فِي البلغم. فأيما جسداً اعتدلت فِيهِ هَذِه الأمزجة الْأَرْبَعَة الَّتِي جعلهَا الله قوام جسده. فَصَارَ كل مزاج مِنْهَا ربعا لَا يزِيد وَلَا ينقص. كملت صِحَّته واعتدلت فطرته وَكَانَ سَائِر جسده وغرائزه مستوية. فَإِن زَاد مزاج مِنْهَا عَن ربعه غلبته الأمزجة الثَّلَاثَة وقهرته وَدخل عَلَيْهِ السقم بِقدر نقصانه وعجزه عَن مقارنتها.
فَيَنْبَغِي للطبيب الْعَالم بالداء والدواء أَن يعلم من أَيْن سقم الْجَسَد بِزِيَادَة المزاج أَو من نقصانه وَيعلم الدَّوَاء الَّذِي يعالج بِهِ، فينقص مِنْهُ إِن كَانَ زايداً وَيزِيد فِيهِ إِن كَانَ نَاقِصا حَتَّى يقيمه على فطرته.
قَالَ: وَجعل الله هَذَا الْخلق الَّذِي وَصفنَا عَنهُ بِنَاء أَخْلَاق بني آدم فِي طبائعهم الَّتِي بهَا تعرف أفعالهم. فَمن اليبوسة الْعَزْم، وَمن الرُّطُوبَة اللين، وَمن الْحَرَارَة الحدّة، وَمن الْبُرُودَة الأناة. فَإِن ملك بِهِ اليبوسة كَانَ عزمه قساوة، وَإِن مَالَتْ بِهِ الرُّطُوبَة كَانَ لينه مهانة، وَإِن مَالَتْ بِهِ الْحَرَارَة كَانَت حدّته سفهاً وطيشاً، وَإِن مَالَتْ بِهِ الْبُرُودَة كَانَت [أناته] بلادة ورثياً.
فَإِن هَذِه الْأَشْيَاء الْأَرْبَعَة من اليبوسة، والحرارة، والبرودة، والرطوبة زَاد أَو نقص، دخل عَلَيْهِ الْعَيْب من ناحيته. فَإِذا اعتدلت فِيهِ استقامت فطرته وَحسنت غريزته حِين دهر بَعْضهَا بَعْضًا وَلم يعلّ شَيْئا مِنْهَا أقرانه، ومعروفه، وتوسعه، وسهولته، وترسله، ولعبه، وضحكه، وجزعه، وبطالته.
وَمن الرّوح حلمه، ووقاره، وعفافه، و [حياؤه] وفهمه، وتقاه، وتكرمه، وَصدقه، ورفقه، وَصَبره. وبالروح يسمع الْإِنْسَان، ويبصر، وَيَأْكُل، وَيشْرب، وَيقوم، [و] يقْعد، ويفرح، ويضحك، ويبكي، ويحزن. وبالروح يعرف الْإِنْسَان الحقّ من الْبَاطِل، والرشد من الغي، وَالصَّوَاب من الْخَطَأ، وَبِه علم، وَيعلم، ويتعلّم، وَيَعْفُو، وَيُدبر، ويحذر، ويعزم، ويستحي، ويتكرم، فالحليم يتَعَاهَد أخلاقه وَينظر فِيهَا. فَإِذا خَافَ أَن يغلب عَلَيْهِ بعض أَخْلَاق يبوسة التُّرَاب، ألزم كلّ خلق مِنْهَا خلقا من أَخْلَاق المَاء يمزجه بِهِ. وَإِذا خَافَ أَن يغلب عَلَيْهِ بعض أَخْلَاق النَّفس، ألزم كلّ خلق مِنْهَا خلقا من أَخْلَاق الرّوح بعده.
وَقد يُقَال: لَيْسَ من أحد إِلَّا وَفِيه من كلّ طبيعة سوء غريزة، وَإِنَّمَا التَّفَاضُل بَين النَّاس فِي مغالبة الطبائع. فإمّا أَن يسلم أحد من أَن يكون فِيهِ مِنْهَا فَلَا، إِلَّا أَن الرجل الْقوي الْحَلِيم يغلبها بِإِذن الله. بالقمع لَهَا كلّما تطلعت أَن يبيتها حَتَّى كَأَنَّمَا لَيست فِيهِ، ولعلها فِيهِ كامنة وَلنْ ينَال ذَلِك إِلَّا بعون الله.
وَمن يَخْذُلهُ الله يهْلك وأنفع مَا يلْزم الْإِنْسَان من التَّدَاوِي بالأدوية إِذا سلم من الأدواء لَا يحمل عَلَيْهِ من الْمَأْكُول والمشروب إِلَّا خَفَاء.
وَاعْلَم أَن الدَّم حُلْو ذُو ابتلال فَإِذا تثوّر فعالجه باليابس الْبَارِد الحامض. والمرّة الْحَمْرَاء حارّة يابسة عللة، فَإِذا تثوّت فعالجها بالبارد الندي الحلو. والمرّة السَّوْدَاء بَارِدَة يابسة حامضة، فَإِذا تثوّرت فعالجها بالسخن الندي الحلو. والبلغم بَارِد رطب مالح فَإِذا تثوّر فعالجه بالحارّ الْيَابِس الحلو.


(الْأَزْمِنَة وَمَا يصلح فِيهَا)
قَالَ عبد الْملك:
وسمعتهم يَقُولُونَ: السّنة أَرْبَعَة أزمنة وَلها أَرْبَعَة أمزجة: صيف، وخريف، وشتاء، وربيع.
فالشتاء ثَلَاثَة أشهر: دجنبر وينير وفبراير، وَهُوَ بَارِد رطب ومزاجه البلغم والخام وهما باردان رطبان يُؤمر فِيهَا باجتناب أكل [اللَّحْم] البقري، والكرّاث والسلق.
ويستحبّ فِيهِ شرب المَاء الفاتر على الرِّيق، وَأكل الدَّجَاج، والحمص، والودك الْكثير، والكرنب، وَأكل الزنجبيل، والفلفل، وَالصِّنَاب، وَأكل الثوم بالعسل، وكلّ حارّ وشربه.
وَاجْتنَاب الْبَارِد من الطَّعَام ويستحبّ فِيهِ تعاهد الْجِمَاع والحمامات والاصطلاء وتعريق الْجَسَد وغمره لِأَن الْعُرُوق والعصب تقسح فِيهِ وتبرد.
وَيكرهُ فِيهِ كَثْرَة الِاغْتِسَال والتصبح وَالنَّوْم كلّه بِالنَّهَارِ، و [ينْهَى] فِيهِ عَن شرب المَاء بِاللَّيْلِ بعد النّوم فَإِن مِنْهُ يكون ضيق النَّفس.
وَيسْتَحب فِيهِ اسْتِخْرَاج الخام والبلغم ومضغ المخاضع وَلُزُوم الغراغر بالصناب، والربّ وَلُزُوم الْقَيْء بالبكر بِأَكْل الفجل، والخردل، والجرجير، والثفاء، وكلّ شَيْء حارّ، ثمَّ يشرب عَلَيْهِ الْعَسَل فَلبث قَلِيلا ثمَّ يتقيأ على إثره.
وَالربيع ثَلَاثَة أشهر وَهِي: مارص، وإبريل وميّه. وَهُوَ حارّ رطب يُؤمر فِيهِ باجتناب أكل الثوم، والكرّاث، والبصل، والفجل، والسلق، والكرنب، وكلّ بقلة قديمَة، أَو عروق يكون تَحت الأَرْض من أجل الدَّاء الَّذِي يكون فليها وَهُوَ فِي عروقها إِلَى فروعها، وَمن أكلهَا تثوّر عَلَيْهِ الدَّم والبلغم وَأَخذه فِي حنجره مثل الذبْحَة.
وَينْهى عَن أكل الرؤوس والأكارع ورؤوس الْحيتَان وأذنابها من أجل الندى يسْقط على العشب فتأكل مِنْهَا الْبَهَائِم فيحري فِي رؤوسها وأرجلها. فَمن أكل الرؤوس والأكارع وَمن الْحيتَان الرؤوس والأذناب فِي هَذَا الْجُزْء علق ذَلِك فِي رَأسه وأصابته مِنْهُ غشاوة فِي بَصَره.
وَيُؤمر فِيهِ بإقلال من الْجِمَاع وَذَلِكَ أَنه يهيج وَيَتَّقِي فِيهِ كَثْرَة شرب المَاء، ويستحبّ فِيهِ أكل الْحَلَاوَة وشربها على الرِّيق وَأكل [] بالعسل وَبِغير الْعَسَل، والنبق وَأكل السمّاق وشربه وكلّ شَيْء فِيهِ حموضة، وكلّ يَابِس بَارِد لِأَن الدَّم حارّ رطب.
ويستحبّ فِيهِ أكل القطف، والقرع، والرجلة، والملوخيا. وَيُؤمر فِيهِ بالاستمشاء، والاحتقان، والاحتجام، والاطلاء، وَقطع الْعُرُوق لمن اضطّر إِلَى قطعهَا، وَمن بَقِي فَإِنَّهُ رُبمَا بَقِي فِيهِ على من فِيهِ فضل دم وآبد على الطبيعة لِأَنَّهُ زَمَانه وسلطانه وتثوّره.
وَمن علاج تثوّره أَن يشرب من الإهليلج مِثْقَالا وَمن التربد مثقالين فَإِنَّهُ يمشي بعد الْحَرَارَة الَّتِي يتثوّر مِنْهُ الدَّم.

والصيف ثَلَاثَة أشهر: ينيه ويليه وغشت وَهُوَ حارّ يَابِس، مزاجه المرّة الْحَمْرَاء وَهِي حارّة يابسة، يُؤمر فِيهِ باجتناب أكل الرؤوس والأكارع ورؤوس الْحيتَان وأذنابها كَمَا وَصفنَا فِي الْجُزْء الَّذِي قبله و [ينْهَى] فِيهِ عَن أكل الملوخيا، والفجل، والكرنب، والأطعمة السخنة، وكلّ حارّ مثل الفلفل، وَالصِّنَاب، وَالزَّيْت، والمالح كلّه فَإِن المالح والحارّ [يهيجان] الْعَطش فتثور مِنْهُ المرّة وَالْمَرَض، ويؤمن فِيهِ بالإقلال من الْجِمَاع من أجل تثوّر الدَّم فِيهِ من شدّة الحرّ، و [ينْهَى] عَن دُخُول الْحمام، وَعَن السّفر لشدّة الحرّ، وَعَن الْجُلُوس فِي الشَّمْس، وَقرب النَّار.
ويستحبّ فِيهِ من الْأَطْعِمَة كلّ بَارِد رطب مثل الْبِطِّيخ، والخوخ، والقطف، والقثاء، والرجلة، وكلّ بَارِد. وَشرب المَاء الْبَارِد على الرِّيق وَيكثر فِيهِ من شرب المَاء الْبَارِد على كلّ حَال، وَأَن يتَعَاهَد فِيهِ الحقن المليّنة [المسهلة] وَالْمَشْي الَّذِي يسيل ويحرك الخام لِأَن فِيهِ يؤجع المَاء إِلَى أَصله و [يلوى] الْعود.
وَيُؤمر فِيهِ بِشرب كلّ مَا يفْطر المرّة من الروب ربّ الْعصير وربّ الأترج وربّ السفرجل وأشبه ذَلِك، وَيكثر فِيهِ من أكل الْحَلَاوَة والحموضة وكلّ شَيْء يلطّف حارّة المرّة وأوجاعها.
والخريف ثَلَاثَة أشهر: شتنبر واكتبر ونوبنبر، وَهُوَ بَارِد يَابِس، مزاجه الْمرة السَّوْدَاء وَهِي بَارِدَة يابسة، [ينْهَى] فِيهَا عَن أكل المملوح، وَعَن أكل الملوخيا، وَعَن أكل الكرنب حَتَّى يُصِيبهُ الأمطار. 

وَيُؤمر فِيهِ بِأَكْل الكرّاث نيّاً ومطبوخاً، و [بِشرب] اللَّبن وَأكل التِّين، والتفاح، والحموضة كلّها وَينْهى فِيهِ عَن دُخُول الْحمام.

(علاج المثانة وَمَا حوت إِلَى الْقَدَمَيْنِ)
قَالَ عبد الْملك:
سَمِعت أهل الْبَصَر بالطبّ والعلل يَقُولُونَ: إِذا اسْتقْبل الدَّاء المثانة وَاجْتمعَ إِلَيْهَا فَإِن من مَاهِيَّة ذَلِك انصراف النَّفس عَن الطَّعَام، ونوم ثقيل، وقشعريرة، وأوجاع كأوجاع الْقرح فِيمَا بَين الْقرن إِلَى الْقَدَمَيْنِ، وتقطير الْبَوْل غير سريع وبثر يخرج تَحت الخصيتين، فَإِذا [أحسَّ] الْإِنْسَان بِشَيْء من ذَلِك فَإِن من أَنْفَع دَوَاء بِهِ أَن يَأْخُذ شَيْئا من كرفس بأصوله وَشَيْء من بسباس بأصوله فيغسلهما من ترابهما، ثمَّ يطبخهما بِمَاء وَعسل، ثمَّ يشرب مِنْهُمَا كلّ [غَدَاة] بعد أَن يفتره كأساً تَامَّة على الرِّيق، وليحتم من البطنة والوطئ حتّى يتفرغ ذَلِك عَنهُ. فَمن [توانى] [عَنهُ] أَو عجز عَن علاجه [فَإِن] ذَلِك [يسبب] من الأوجاع: أَن يستغشي الْبَطن مِنْهُ غاشية من الكبد، وإسراف من الْبَوْل، وأرق شَدِيد، وَفَسَاد [فِي] اللَّوْن، وَسُقُوط من مَاء الْبَطن فِي الْأُنْثَيَيْنِ، وقرحة تخرج فِي غشي المثانة.
قَالَ عبد الْملك:
وَمن علاج المثانة إِذا أرقت وَاسْتَرْخَتْ وأبردت فَلم تحبس الْبَوْل أَن تَأْخُذ الضومران المنقى. فَتِّر مِنْهُ، ثمَّ تصبّ المَاء عَلَيْهِ فتطبخه، ثمَّ تعصره فتسقيه ذَلِك المَاء فاتراً فَهُوَ يردهُ بِإِذن الله.

وَمن علاج المثانة إِذا اعتلت وسلس بولها أَن [يطْبخ] الحمص الْأسود و [يقشَّر فيؤكل ويحتسى] مرقه فَإِنَّهُ يصلح المثانة، ويذيب الْحَصَاة الَّتِي تصير فليها، ويدرّ الْبَوْل، وَيقطع حصيره، وَيزِيد فِي مني الرجل وَفِي لبن الْمَرْأَة، وَينزل الْحَيْضَة إِذا ارْتَفَعت، وَيفتح السدد الَّتِي تكون فِي الْمعدة والكبد، وَيخرج الدُّود وحبّ القرع من الْبَطن.
وَإِذا طحن فَصنعَ مِنْهُ شَدِيد المرهم يوضع على الورم الَّذِي يكون فِي أصل الأربيّتين وَفِي الْأُنْثَيَيْنِ. ألان ذَلِك وحلله، وَإِذا عجن بالعسل وَوضع على القرحة نَفعهَا وأذهب رطوبتها.
وَمن علاج المثانة إِذا اعتلّت أَن يطْبخ حليباً من لبن الْمعز، ثمَّ يشربه سخناً بالغد وعَلى الرِّيق فَإِنَّهُ ينفع بِإِذن الله من قُرُوح المثانة، وَمن قُرُوح الكليتين والرئة، وقروح الأمعاء، وَمن السعال والسلّ، وطبخه على وَجْهَيْن أَحدهمَا فِي قدر و [يحمى] لَهُ الْحَصْبَاء، أَو الحديدة ثمَّ يَجْعَل فِي اللَّبن فيغلي بهَا حتّى يشقّ بعض لدونته.
الثَّانِي أَن تَأْخُذ مكيالاً من اللَّبن ومكيالاً من المَاء فتجمعهما فِي الْقدر، ثمَّ توقد [تَحْتَهُ] بِنَار لينَة حَتَّى يذهب المَاء وَيبقى اللَّبن، ثمَّ يسقى مِنْهُ الْمُحْتَاج إِلَيْهِ بِقدر حَاجته.
قَالَ: وَلبن الضَّأْن شَبيه بِلَبن الْمعز فِي دوائه إِلَّا أَنه أغْلظ وأسمن من لبن الْمعز.
وَمِمَّا ينفع مَا تَحت السرّة من المثانة والكليتين أكل الحبّة الخضراء، وَهِي حبّ البطم، وحبّ الضرو [وَإِذا طَابَ] واسود وَهُوَ جيد للمعدة وَتذهب [الْحَصَاة] وينفض الْبَوْل ويدرّه وَيقطع حصره. وَمِمَّا يصلح المثانة أكل التِّين الْأَخْضَر واليابس فَإِنَّهُ حارّ لدن وَهُوَ يدرّ الْبَوْل وينقي الفضول من المثانة ويلين الأورام الصلبة الَّتِي تكون فِي الكبد و [الطحال] وَيفتح سددهما.
وَمِمَّا يصلح مَا تَحت السرّة من المثانة والكليتين [شرْب] الربّ الَّذِي يصنع من عصير الْعِنَب حَتَّى يذهب ثُلُثَاهُ فَإِنَّهُ حارّ لين وَهُوَ جيد للصدر والسعال، وَيزِيد فِي الْمَنِيّ، وَينزل الْبَوْل، وَيقطع حصره ويليِّن الْبَطن.
وَمِمَّا يصلح المثانة وينفعها أكل الْبِطِّيخ فَإِنَّهُ بَارِد رطب ليِّن ينقي الصَّدْر والمثانة وَينزل الْبَوْل والحيضة، وحبّه جيد للصدر والسعال والكليتين والقرح الَّذِي يكون فِي المثانة إِذا طبخ وَشرب [مَاؤُهُ] .
قَالَ عبد الْملك:
وَمثله أكل اللوز مِمَّا يصلح المثانة، ويذيب [الْحَصَاة] أكل اللوز وَشرب سويقه فَإِنَّهُ معتدل وَفِيه شَيْء من الْبُرُودَة وَهُوَ ينزل الْبَوْل وَيقطع حصره، وينفع القولنج، وَيقتل الدُّود فِي الْبَطن، وينفع من لدغ العقارب إِذا أكل بِالتِّينِ، أَو بِالتَّمْرِ، أَو بالعسل، ويشدّ الْإِنْسَان حلواً كَانَ أَو مرّاً، والمرّ أقوى.
وَمِمَّا يصلحها أكل الصنوبر وَأكل الفستق، وينفع مِمَّا ينفع لَهُ اللوز إِذا وضع على لدغ الْعَقْرَب.
وَمِمَّا يصلح لَهَا وَلما ذكر مَعهَا أكل النعنع وَهُوَ بِلِسَان الأندلس المنتة، وينفع من الرّيح الغليظ الَّتِي تكون فِي الْمعدة والأمعاء وَيقطع الْقَيْء ويسكنه لطيب رِيحه.

وَمِمَّا ينفع المثانة أَن تيبس الْورْد ثمَّ تدقّه وتشربه بِمَاء فاتر على الرِّيق فَإِنَّهُ مجرّب نَافِع إِن شَاءَ الله.
قَالَ عبد الْملك:
وَمِمَّا ينفع من قطر الْبَوْل أَن تَأْخُذ وردا يَابسا فتسحقه، ثمَّ تعجنه بدقيق الشّعير مغربلاً بالخل وَالْعَسَل [وتبسطه] على خرقَة وتضعه على المثانة، وَهِي الْعَانَة، فَإِنَّهُ يقطع الْقطر بِإِذن الله.
وَمِمَّا ينفع من الخاصرة أَو [الْحَصَاة] أَن تَأْخُذ أصُول الحرّيق فتغسلها من ترابها و [تقطعها] تقطيع الْعجل، ثمَّ تلقيها فِي الْعَسَل النقي الطّيب فتدعها فِيهِ ثَلَاثَة أَيَّام، ثمَّ تلعق مِنْهَا كل غدوات ثَلَاثَة أَيَّام على الرِّيق ملعقة وَمَا زِدْت من الْأَيَّام كَانَ أَنْفَع.
وَمِمَّا ينفع من الخاصرة و [الْحَصَاة] أَن تَأْخُذ أصُول الْقصب فتمزع قشره الْأَعْلَى ثمَّ تيبسه فِي غير الشَّمْس ثمَّ تدقّه حَتَّى يصير بِمَنْزِلَة الفلفل وتغربله بغربال شعر، ثمَّ تَجْعَلهُ ذروراً على كلّ مرق أَو مشوي أَو بَيْضَة.
وَمِمَّا ينفع من الخاصرة و [الْحَصَاة] أَيْضا رماد الضرو يشرب بالزيت أَو رماد الأصاص يشرب بِالْمَاءِ الساخن الساكب، أَو لبن حليب يطْبخ بالرضف، ثمَّ يعمد إِلَى مثله من الزَّيْت فيسكبه عَلَيْهِ فِي حرارته فيخلطهما جَمِيعًا، ثمَّ يشربهما صَاحب [الْحَصَاة] ، أَو الخاصرة فكلّ وَاحِد من الثَّلَاثَة نَافِع بِإِذن الله.
وَمِمَّا ينفع من [الْحَصَاة] وَيخرج النفخة أَن تسحق الْحَرْف، ثمَّ تسقيه إِيَّاه بِمَاء وَعسل على الرِّيق وَكَذَلِكَ تسقيه السنبل بعد سحقه بِمَاء فاتر، وَكَذَلِكَ طبخ أصل السوسن بالزيت ثمَّ تشربه نَافِع مِنْهُمَا وَكَذَلِكَ شرب زرّيعة الثوم بِمَاء فاتر نَافِع مِنْهُمَا.
وَمِمَّا ينفع [الْحَصَاة] أَن يطْبخ أَطْرَاف الإكليل بِمَاء وَعسل أَو ربّ طيّب، ثمَّ تشرب مِنْهُ بِقدر شَرِيكه على الرِّيق.
وَمِمَّا ينفع المثانة ويصلحها وَيذْهب [الْحَصَاة] الكرفس وَهُوَ مثل النعنع فِي حرارته، وينفع ورقه إِذا أكل رطبا من الْمعدة، وَمن الكبد الْبَارِدَة، وينفع عصير ورقه من الْحمى النافض وحبّه أقوى وأحرّ من ورقه، وَفِيه من الدَّوَاء مَا فِي ورقه.
وَمِمَّا ينفع من الخاصرة أَن تدقّ ورق الكرنب حسنا، ثمَّ تعصر من مَائه قدر [كأسٍ] وَيجْعَل من الربّ مثله، ثمَّ يشربه فِي الحمّام أَو فِي قصرية.
وَمِمَّا ينفع مِنْهَا أَن تَأْخُذ وزن دِرْهَمَيْنِ من الشبّ الْيَمَانِيّ فتسحقه نَاعِمًا ثمَّ تشربه بِهِ فِي مَاء سكب غداوة خَمِيس على الرِّيق فَإِنَّهُ نَافِع بِإِذن الله.
وَمِمَّا ينفع ويدبغ المثانة ويغلظها ويدرّ الْبَوْل مِنْهَا أكل الرمّان بشحمه، وَأكل القسطل والبلّوط نياً ومشوياً، وَأكله مشوياً أفضل من أكله نياً.
وَقد يصنع مِنْهُمَا أَو من أَحدهمَا سويق كسويق اللوز، وَيشْرب بالعسل، أَو بالسكر فيصلح بِهِ المثانة. وَقد يطْبخ بِالْمَاءِ بعد [نزع] قشره، ثمَّ يشرب مَائه فيصلح المثانة ويدبغها.
وَمِمَّا ينفع من ورم الخصى أَن تَأْخُذ السلق فترضّه حسنا وتعجنه بالعسل، ثمَّ تقصبه عَلَيْهِ. وَمِمَّا ينفع مِنْهُ أَيْضا أَن تغطيه برغوة المَاء.
وَمِمَّا ينفع من وجع الشرج أَن يكثر من أكل اللوز، وَيشْرب سويقه وَأَن يسحق الْحَرْف ويخلط بِشَيْء من دَقِيق، ثمَّ تعجنه بالخل السخن، وَتجْعَل مِنْهُ لصوقاً فتركبه على الشرج.
قَالَ عبد الْملك:
وَمِمَّا ينفع من وجع الصلب والوركين أَن تَأْخُذ قضبان الزرجون فتقطعها، ثمَّ تحفر فِي الأَرْض حُفْرَة فتلقي ذَلِك الزرجون فِيهَا، ثمَّ تشعلها نَارا ثمَّ ترشّها فَإِذا افترت فَخذ تبن الشّعير فغطّها بِهِ حسنا، ثمَّ اطرَح عَلَيْهَا كسَاء من صوف، ثمَّ ادهن الَّذِي بِهِ وجع الصلب والوركين بِزَيْت، ثمَّ اضجعه على الكساء فِي الحفرة وغطّه حتّى يعرق فَإِنَّهُ يرقه بِإِذن الله.
وَمِمَّا ينفع من وجع الرّكْبَة أَن تَأْخُذ من ورق التِّين، وَمن ورق الْجَوْز فتسحقه حسنا بشحم اللوز، ثمَّ تعصبه عَلَيْهَا فِي يَوْم حارّ يوكأ بِهِ أَو تَأْخُذ بعر تَيْس فَحل فتعجنه بالخل، ثمَّ تَجْعَلهُ على خرقَة وَهِي فاتر، ثمَّ تعصبه على الرّكْبَة أَو تَأْخُذ أصل الحرّيق فيدقّ حسنا، ثمَّ يلقى فِي زَيْت ويعصب على الرّكْبَة والورك أَو تفعل بأطراف الأصاص مثل ذَلِك، أَو يعجن خثى الْبَقر بخل حاذق، ثمَّ يعصبها على الرّكْبَة والورك فكلّ ذَلِك نَافِع بِإِذن الله.
وَمِمَّا ينفع من وجع الصلب حَيْثُ كَانَ أَن تدهنه بِزَيْت طبخ الشبّة، أَو يدقّ البلشاقية بورقها وتعصبها عَلَيْهِ أَو تَأْخُذ أصل السوسن فترضه بورقه، وتستخرج [مَاءَهُ] فتعجنه بلباب الْخبز، ثمَّ تعصبه عَلَيْهِ.
وَمِمَّا ينفع من وجع الْقَدَمَيْنِ أَن تَرَ ضّ الرجلة، ثمَّ تعصبها عَلَيْهِ، أَو تَأْخُذ فرث [شَاة] سخونة فَتدخل فِيهِ قَدَمَيْك فَإِنَّهُ نَافِع بِإِذن الله.


(مَا جَاءَ فِي السحر وعلاجه)
وَعَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر أَن امْرَأَة قَالَت لعَائِشَة: يَا أمّ الْمُؤمنِينَ، هَل عليّ من جنَاح أقيد جملي؟ فَقَالَت: اخْرُجُوا عنّي الساحرة. ثمَّ أمرت بمكانها فصبّ عَلَيْهِ مَاء وملح.
قَالَ عبد الْملك: تَعْنِي بقولِهَا أقيد جملي أَن تسحر زَوجهَا: وَكَانَت عَائِشَة تَأمر بدفن الْأَظْفَار وَالشعر، وَدم المحاجم مَخَافَة أَن يسحر فِيهِ.
وروت عمْرَة أَن عَائِشَة - رَضِي الله عَنْهَا - كَانَت برّت جَارِيَة لَهَا ثمَّ إِن عَائِشَة اشتكت بعد ذَلِك مَا شَاءَ الله. ثمَّ دخل عَلَيْهَا رجل سندي فَقَالَ: إِنَّك مطبوبة. قَالَت: وَمن طبّني؟
قَالَ: امْرَأَة من نعتها كَذَا وَكَذَا. فوصفها لَهَا فِي حجرها صبيّ قد بَال عَلَيْهَا.
قَالَت عَائِشَة: أَي فُلَانَة، لجارية كَانَت تخدمها. فَوَجَدتهَا عِنْد جيران لَهَا وَفِي حجرها صبيّ قد بَال فلمّا غسلت بَوْل صبيّها جَاءَت فَقَالَت لَهَا عَائِشَة: سحرتني؟ قَالَت: نعم. قَالَت: ولِمَ؟ قَالَت: أَحْبَبْت الْعتْق. قَالَت عَائِشَة: أَحْبَبْت الْعتْق وَالله لَا تعتقين أبدا. ثمَّ أمرت عَائِشَة ابْن أَخِيهَا أَن يَبِيعهَا من الْأَعْرَاب مِمَّن يسيء ملكهَا فَبَاعَهَا.
قَالَت عَائِشَة: ثمَّ ابتع بِثمنِهَا رَقَبَة حَتَّى اعتقها فَفعل. قَالَت عمْرَة: فَلبث مَا شَاءَ الله من الزَّمَان، ثمَّ إِنَّهَا رَأَتْ فِي الْمَنَام أَن تَغْتَسِل من ثَلَاث آبار يمدّ بَعْضهَا بَعْضًا فَإنَّك تشفين.
قَالَت عمْرَة: فَدخل على عَائِشَة ابْن أَخِيهَا وَعبد الرَّحْمَن بن سعيد بن زُرَارَة فَذكرت عَائِشَة لَهما ذَلِك فَانْطَلقَا إِلَى قبَاء فوجدا آباراً ثَلَاثًا يمدّ بَعْضهَا بَعْضًا فاستقيا من كلّ بِئْر ثَلَاثَة سحب حَتَّى [مَلأ] السحب من جَمِيعهنَّ، ثمَّ أَتَوا بِهِ عَائِشَة فاغتسلت بِهِ فشفيت. وَكَانَت عَائِشَة تَأمر المسحور أَن يسْتَقْبل جرية المَاء فيغطس فِيهِ رَأسه سبع مرّات.
وَقَالَت عَائِشَة: من اسْتقْبل جرية المَاء النَّهْرِي فغطس فِيهِ رَأسه إِحْدَى وَعشْرين مرّة، ثمَّ يُغَيِّرهُ فِي عَامه ذَلِك سحر.
وَرُوِيَ أَن بَنَات لبيد بن أعصم الْيَهُودِيّ [سحرن] رَسُول الله [صلى الله عَلَيْهِ وَسلم] فاشتكى شكية شَدِيدَة حَتَّى خيف عَلَيْهِ، وَمكث أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي شكايته وَقد تغير جِسْمه ودهنه وخامره النسْيَان، فَأَتَاهُ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ: يَا مُحَمَّد أَنْت مطبوب، يَعْنِي مسحور.
قَالَ: " وَمن طبّني؟ " قَالَ: بَنَات لبيد بن أعصم الْيَهُودِيّ. قَالَ: " وَفِيمَا؟ " قَالَ: فِي خفّ طلع ذَلِك. قَالَ: " وَأَيْنَ وَضعته؟ " قَالَ: فِي راعوفة بِئْر ذوران.
قَالَ: " فَمَا دوائه. يَا جِبْرِيل؟ " قَالَ: تنْزع مَاء الْبِئْر حَتَّى تبدوا الراعوفة فتستخرج من تحتهَا.
وَكَانَت الْبِئْر فِي بني بياضة من الْأَنْصَار فَأرْسل رَسُول الله [صلى الله عَلَيْهِ وَسلم] لاستخراج ذَلِك من الْبِئْر وأحضر [لذَلِك] أَبَا بكر وَعمر فنزعوا المَاء فوجدوه قد تغير كَهَيئَةِ مَاء الْحِنَّاء، ثمَّ اسْتخْرجُوا الْخُف من تَحت الراعوفة فَأتي بِهِ رَسُول الله [صلى الله عَلَيْهِ وَسلم] فوجدوا فِي عقدا معقداً وَنزل جِبْرِيل على رَسُول الله [صلى الله عَلَيْهِ وَسلم] بالمعوذتين فَقَالَ لَهُ: اقْرَأ يَا مُحَمَّد!
فَقَالَ: " وَمَا أَقرَأ؟ " قَالَ: اقْرَأ: {قل أعوذ بِرَبّ الفلق} [الفلق: 1] . فكلّ مَا قَرَأَ آيَة انْحَلَّت عقدَة إِلَى آخر المعوذتين. فَبَرَق رَسُول الله [صلى الله عَلَيْهِ وَسلم] وصحّ. وَقَالَ صلوَات الله عَلَيْهِ: " مَا تعوذت بِمِثْلِهَا ".
ثمَّ أَمر أَصْحَاب رَسُول الله [صلى الله عَلَيْهِ وَسلم] إنْسَانا فَبَال على العقد والخف، ثمَّ أحرقا بالنَّار، وألقيا بعد احتراقهما فِي حُفْرَة [وواروهما] بِالتُّرَابِ، ثمَّ دَعَا رَسُول الله [صلى الله عَلَيْهِ وَسلم] ببنات لبيد بن أعصم فاعترفن بِمَا عملن، وكنّ ثَلَاثًا أَو أَرْبعا.
قَالَ عبد الْملك:
والخفّ حَيْثُ يكون الطّلع، ثمَّ يذهب الطّلع وَيبقى مَوْضِعه فَهُوَ من الخفّ، والراعوفة الصَّخْرَة الَّتِي تكون فِي أَسْفَل الْبِئْر يجلس عَلَيْهَا عِنْد تنقيتها.
وَسُئِلَ يحيى بن سعيد عَن العَبْد أبق فيعقد بِغَيْر سحر فيغمى عَلَيْهِ الطَّرِيق وَيمْتَنع من الْبَوْل والخلا فيشتدّ ذَلِك عَلَيْهِ فَيرجع إِلَى أَهله فَقَالَ: رَأَيْت [كثيرا مِمَّن] أدركنا يكره ذَلِك كَرَاهِيَة شَدِيدَة وَيُنْهِي عَنهُ.
قَالَ عبد الْملك: هُوَ من السحر مَا هُوَ، وَلَا يحل فعله.
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة